محمد متولي الشعراوي
3169
تفسير الشعراوى
لكن القصاص أمر صعب ، فالصفعة من يد جائع متهافتة بعكس الصفعة التي تأتى من يد صاحبها في منتهى النشاط والقوة . فكيف يكون القصاص مناسبا لقوة الذي فعل الفعل ؟ إذن لا يصح أن يدخل الإنسان في متاهة . ويمكنه أن يتصدق بالقصاص فلا يأخذه . ونحن نعلم حكاية « تاجر البندقية » ذلك المرابى اليهودي الذي أقرض نقودا مقابل رطل من لحم صاحب القرض ، وكتب الاثنان التعاقد وجاءا بالشهود . ولم يستطع الرجل أن يسدّد المال في الميعاد ولكن القاضي أنار اللّه بصيرته . فقال : خذ الرطل من لحم الرجل ولكن إن أنقصت أوقية فسنأخذها منك أو إن زدت أوقية فسنأخذها منك . فقال المرابى : لا أريد . وقد قنن الحق للجريمة ، ولم يغلق سبحانه باب الطموحات الإيمانية ، فقال : « فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ » . ومعنى « تصدق » أنه دفع وأعطى شيئا غير مستحق ، ولا واجب عليه أي تبرع به ابتغاء وجه اللّه . إن الذي يتعب البشر في تقنيناتهم أنهم يطيلون إجراءات التقاضى ، فساعة تقع جريمة يستمر التحقيق فيها بواسطة القضاء لأكثر من عام فتنبهت بشاعة الجريمة في النفس البشرية . ومن الواجب كذلك أن يكون الأمر لولى القصاص ؛ لأنك إن مكنته أرضيت نفسه بأول شفاء . وساعة يعطى الإنسان ذلك الحكم فقد يزهد فيه ؛ لأن الأمر حين يكون في يده ويقدر على القصاص فمن المحتمل أن يعفو . وسيظل المتصدّق عليه طيلة حياته يدين بحياته أو بجارحة من جوارحه لصاحب القصاص . وبدلا من إيعازات الثأرات تنشأ المودة . وحين يشرع المشرع الأعلى يوضح لنا : لا تحكم بأنك دائما معتدى عليك ، بل تصور مرة أنك معتد ، ألا تحب في مثل هذه الحالة أن يتصدق عليك صاحب القصاص ؟ فإذا أرادت الحكومات أن تنهى الثأرات فلهم في التشريع الأعلى الحكم الواضح . وفي صعيد مصر ، ساعة يقتل إنسان نجد الذي عليه الثأر يأخذ كفنه ويذهب إلى العائلة الطالبة للثأر ، ولحظة يدخل عليهم حاملا كفنه بيديه ، تشفى النفوس من طلب الثأر . ويحيا ، وصاحب الثأر متفضل عليه بالعيش « فمن تصدق به فهو كفارة